علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

234

ثمرات الأوراق

وقامت واوات دوائره مقامع فنصبتنا للغرق لمّا استوت المياه والأخشاب ، وقارن العبد فيه سوداء استرقت موالينا وهي جارية ، وغشيهم منها ما غشيهم فهل أتاك حديث الغاشية ! واقعها الحرب فحملت بنا ودخلها الماء فجاءها المخاض ، وانشقّ قلبها لفقد رجالها وجرى ما جرى على ذاك القلب وفاض ، وتوشّحت بالسواد في هذا الماء ثم سارت على البحر وهي مثل ، وكم سمع « 1 » للمغاربة على ذلك التوشيح زجل ، برج مائيّ ولكن تعرب في رفعها وخفضها عن النّسر والحوت ، وتتشامخ كالجبال وهي خشب مسنّدة من تبّطنها عدّ من المتصبرين في تابوت ، تأنى بالطّباق ولكن بالمقلوب لأنّ صغيرها كبير وبياضها سواد ، وتمشي على الماء وتطير مع الهواء وصلاحها عين الفساد ، إن نقر الموج على دفوفها لعبت أنامل قلوعها بالعود ، وترقصنا على آلتها الحدباء فتقوم قيامتنا من هذا الرّقص الخارج ونحن قعود . نتشامم وهي كما قيل : أنف في السماء واست في الماء ، وكم نطيل الشكوى إلى قامة صاريها عند الميل وهي الصّعدة الصّماء ، فيها الهدى وليس لها عقل ولا دين ، وتتصابى إذا هبّت الصّبا وهي بنت أربعمائة وثمانين . وتوقف أحوال القوم وهي تجري بهم في موج كالجبال ، وتدّعي براءة الذمة وكم استغرقت لهم من أموال ؛ هذا وكم ضعف نحيل خصرها عن تثاقل أرداف الأمواج ، وكم وجلت للقلوب لمّا صار لأهداب مجاديفها في مقلة البحر اختلاج ، وكم أسبلت على وجنته طرّة قلعها فبالغ الريح في تشويشها ، وكم مرّ على قريتها العامرة فتركها وهي خاوية على عروشها ، تتعاظم فتهزل إلى أن ترى ضلوعها من السّقم تعدّ ، ولقد رأيناها بعد ذلك قد تبّت وهي حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد . وخلص المملوك من كدر المالح إلى النيل المبارك فوجده من أهل الصّفا ، وإخوان الوفا ، وتنصّل من ذلك العدوّ الأزرق ذي الباطن الكدر ، وجمع من عذوبة النيل ونضارة شطوطه بين عين الحياة والخضر ؛ وتلا لسان الحال على المملوك وأصحابه « ادخلوا مصر إن شاء اللّه آمنين » ، « وقضي الأمر وقيل بعدا للقوم الظالمين » . وبعد ؛ فإن المملوك يسأل الإقالة من عثرات هذه الرسالة ، فقد علم اللّه أنّها صدرت من فكر تركه البين مشتّتا ، والأعضاء مع كثرة بردها قد خرجت من البحر عارية في فصل الشتا ، وليستر عوراتها بستائر الحلم وينظر إليها من الرحمة بعين ، وليكن ضربها بسيف « 2 » النقد صفحا فقد كفى ما جرحت بسيوف البين . وتاللّه لم يسلك المملوك هذه الجادّة إلا ليجد له سبيلا إلى نهلة من عذب تلك الموارد ، ويعود العبد الضعيف الذي قطعت صلاته من صفاء هذا المشرب عائد ،

--> ( 1 ) أ : « لم يسمع » . ( 2 ) أ : « بعين » .